محمد الغزالي
26
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد كانت ( مكة ) على عهد البعثة تموج بحركة عاصفة من الشهوات والمآثم ، وكان الرجال الذين يحيون فيها أمثلة قوية لنضج الأهواء ، وشلل الأفكار ، أو نمائها في ظلّ الهوى الجامح ولخدمته واحده . كفر باللّه واليوم الآخر ، إقبال على نعيم الدنيا ، وإغراق في التشبّع منه ، رغبة عميقة في السيادة والعلو ونفاذ الكلمة ، عصبيات طائشة تسالم وتحارب من أجل ذلك ، تقاليد متوارثة توجه نشاط الفرد المادي والأدبي داخل هذا النطاق المحدود . من الخطأ أن تحسب ( مكة ) يومئذ قرية منقطعة عن العمران في صحراء موحشة ، لا تحس من الدنيا إلا الضرورات التي تمسك عليها الرمق ، كلّا ، إنها شبعت حتى بطرت ، وتنازعت الكبرياء حتى تطاحنت عليها ، وكثر فيها من تغلغل الإلحاد في أغوار نفسه حتى عزّ إخراجه منه ؛ فهم بين عم عن الصواب ، أو جاحد له ، وفي هذا المجتمع الذي لم ينل حظا يذكر من الحضارة العقلية بلغ غرور الفرد مداه ، ووجد من يسابق فرعون في عتوّه وطغواه . قال عمرو بن هشام « 1 » - معلّلا كفره برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم - : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ، حتّى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبيّ يوحى إليه ! واللّه لا نؤمن به ، ولا نتّبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ! ! . زعموا أن الوليد بن المغيرة قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لو كانت النبوّة حقّا لكنت أولى بها منك ! لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا ! . وهذه السفاهات العاتية ، لم تنفرد مكة بها ، فما كان كفر عبد اللّه بن أبي في المدينة إلا لمثل هذه الأسباب . ذهب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بعد الهجرة - يعود سعد بن عبادة في مرض أصابه قبل وقعة بدر ، فركب حمارا وأردف وراءه أسامة بن زيد ، وسارا حتى مرّا بمجلس فيه عبد اللّه بن أبي ، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المسلمين عبد اللّه بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر ابن أبي أنفه بردائه ، ثم قال : لا تغبّروا علينا ، فسلم رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، ثم وقف ونزل ، فدعاهم إلى اللّه ، وقرأ عليهم القران . .
--> ( 1 ) هو أبو جهل .